[وثيقة] مخطوطة من كتاب أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يتعلق بذلك من الكلام حول إقامة المآتم الحسينية في الأندلس الإسبانية قبل ثمانية قرون


إقامة المآتم الحسينية في الأندلس قبل ثمانية قرون
من مخطوطة (أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يتعلق بذلك من الكلام)
للوزير أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد الغرناطي الأندلسي الشهير بلسان الدين بن الخطيب ( توفي سنة 1374م = 776 هـ )
خلال كلامه عن دولة يزيد بن معاوية يتطرّق الوزير الأندلسي إلى إقامة المآتم التي يطلق عليها عبارة (الحسينية) .

 

وهذا بعض ما قاله في المخطوطة :
ولم يزل الحزن على الحسين والمآتم قائمة في البلاد، يجتمع لها النّاس ويختلفون لذلك ليلة يوم قتل فيه بعد الأمان من نكير دول قتلته، ولا سيما شرق الأندلس .
فكانوا على ما حدّثنا به شيوخنا من أهل الشّرق يقيمون رسم الجنازة حتى في شكل من الثياب، يسجّوه خلف سترة في بعض البيت وتحتمل الأطعمة والأضواء والشّموع ويجلب القرّاء المحسنون ويوقد البخور ويُتغنّى بالمراثي الحسينية كقول الإمام أبي البحر صفوان بن إدريس من أهل مرسية (مدينة في شرق أسبانيا) وولد الخطيب بمسجدها أعاذها الله وهو المعني بمراثي الحسين بن علي (ر) عليه السلام .
سلام كأزهار الرّبى يتنسّمُ ** على منزل منه الهدى يتعلّمُ
على مصرعٍ للفاطميين غُيّبت ** لأوجههم فيه بدورٌ وأنجم
على مشهدٍ لو كنت حاضر أهله ** لعاينت أعضاء النبيّ تقسّم
على كربلا أخلف الغيث كربلا ** وإلا فإن الدّمع أندى وأكرم
مصارع ضجّت يثربٌ بمصابها ** وناح عليهم الحطيم وزمزم
ومكة والأستار والركن والصّفا ** وموقف جمع والمقام المعظّم
وروضة مولانا النّبي محمّد ** تبدّى عليها الثّكل يوم تحرمُ

 

إلى أن قال :
قفوا ساعدونا بالدّموع فإنها ** لتصغر في حق الحسين وتعظم
ومهما سمعتم في الحسين مراثياً ** تعبّر عن محض الأسى وتترجم
فمدوا أكفّاً مسعدين بدعوة ** وصلّوا على جدّ الحسين وسلموا

 

ومما قاله الوزير الأندلسي :
واشتهر صفوان رحمه الله برثاء الحسين وظهرت عليه بركات ذلك بما هو مشهور عند من عُني بأخباره .
حدّثني غير واحد من شيوخنا (ره) بما معناه : أن صفوان اضطر إلى تجهيز بنت أو بنيّات كُنّ له، وضاق عنه وُسعه فرحل من بلدة مرسية إلى حضرة مراكش على عهد ملوكها من بني عبد المؤمن بن علي، وأظنّه ولده يوسف أو المنصور، وصعب عليه الوصول إليه أو إيصال رقعته، ولما عجز عن ذلك التزم العكوف محل استقراره وشرع بالرجوع إلى بلده خائباً .

 

وما راعه إلا والنّداء عليه ورجال السلطان تبحث عليه، ولمّا عثر عليه استعجل إلى باب السلطان وأُدخل عليه والسلطان ملاطف له سائل عن حاله مستفهماً له عن غرضه ولم يبرح حتى أُجيب أمله بما لم يكن في حسابه من المعونة والمتاع الذي يليق بالنساء ويسير وظائف القفول بما شاء من بر وكتوبات رزقاً وعناية .
وسأل عن سبب ذلك فإذا السلطان ليلتين من رسول الله (ص) في النوم يعتّبه ويقول له : صفوان إبن إدريس بخدمتنا والتّفجّع لولدنا على البعد وطول العهد ببابك قد غُفل عنه ؟ ما هذا حقّه . ابحث السّاعة عنه ويسّر حاجته فقد تعيّن علينا حقّه . وخرج دامع العين خجلاً من رسول الله (ص) فتيسر مطلب صفوان .

 

قلت : فما يكون غدر يزيد وبأي وجه يلقى رسول الله (ص) بعد هذا الجفاء الذي لا تصحّ معه دعوى الإيمان .
ولا خفاء بجهالة من يعتقد أن يزيد خليفة من خلفاء الله وورثة نبيّه بسلف أو نسب أو غير ذلك لا بل دعوى الإسلام حتى صحّ حبّ محمّد (ص) وبرّه ورعيه واتّباعه والانتظام فيمن رضي عنه وحسبه منهم .

فمن قتل ولده وأهل بيته وساق ذرّيته أسرى بادية الوجوه مستلبة الحرمة ؟
وأغرب من ذلك وأشدّ بعداً في العصبية والجاهلية من قال ومن أجرى في بعض كتبه (إنما قُتل بسيف جدّه) وليت شعري من قلّد يزيد سيف جدّ الحسين عليه السلام، أو من حكم له بأنه أولى بسيف جدّه .

 

مع تحيات مركز الفقيه العاملي لإحياء التراث – حاريص – جنوب لبنان
بالاشتراك مع مجمع الإمام الحسين (ع) العلمي لتحقيق التراث . كربلاء المقدّسة

 

الوثيقة :

إقامة المآتم الحسينية في الأندلس الإسبانية قبل ثمانية قرون